نصر حامد أبو زيد

154

الاتجاه العقلي في التفسير

زواله على مذهب العرب في مثل قول الشاعر : إذا شاب الغراب أتيت أهلي * وصار القار كاللبن الحليب » 49 ومع ذلك كله فلا تكفي هذه التفسيرات لكي يعدّ مقاتل مرجئا ، بالمعنى الذي ينكره المعتزلة ، فهو لم يشر في الآية الأخيرة إلى إن كان المقصود بالاستثناء مرتكب الكبائر ، أم المؤمن الذي يعذّب على بعض المعاصي الصغيرة . والمعتزلة أنفسهم لا يقولون بتخليد المؤمن العاصي في النار ما لم تكن معصيته من الكبائر . وإذا أضفنا أن المعتزلة قد اعتبروا أن تحديد الكبائر مما لا علم لنا به ، لأن اللّه أخفاه عنا لطفا منه بنا ، حتى لا نواقع الصغائر خشية أن تكون كبائر . إذا ذكرنا هذا عند المعتزلة - خصوصا القاضي عبد الجبار - تميّعت الحدود بين الصغيرة والكبيرة . وصار ارجاء مقاتل محل تساؤل كما كان وضعه في المشبهة والمجسدة محل تساؤل كذلك . 3 - التأويل عند أبي عبيدة والفراء وإذا كان أبو عبيدة - كما سبق أن أشرنا - هو أول من سلط الضوء على كلمة « مجاز » لتصبح فيما بعد مصطلحا بلاغيا يضم في اهابه كل الوسائل التصويرية في اللغة ، فإنه - من جانب آخر - قد أسهم اسهاما له أهميته في قضية التأويل . وتتداخل مصطلحات المجاز والتشبيه والمثل مع التأويل عند أبي عبيدة ، وتصبح هذه المصطلحات - باعتبارها طرائق للتعبير - وسيلة للتأويل لاخراج الآية عن ظاهرها الموهم بالتشبيه أو الظلم إلى معنى ينفي عنها هذا الايهام . وليس أبو عبيدة على أي حال بعيدا عن جو التأويل ، فهو خارجي ، والاتفاق بين الخوارج والمعتزلة في أصول كثيرة سبقت الإشارة إليه في التمهيد ، لدرجة أنهم يتبادلون عبارات الثناء والاعجاب . يقول أبو عبيدة عن النظّام « ما ينبغي أن يكون كان في الدنيا مثل النظّام » 50 . ويردّ له الجاحظ - تلميذ النظّام - هذه المجاملة بقوله : « وممن كان يرى رأي الخوارج : أبو عبيدة معمر بن المثنى مولى تيم بن مرة ، ولم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلم منه » 51 . وعلى ذلك فمن الطبيعي أن يتوقف أبو عبيدة عند الآيات التي يوحي ظاهرها بمشابهة اللّه للبشر ليؤولها تأويلا يتفق مع التنزيه والتوحيد الذي آمن به كل من الخوارج والمعتزلة . فيكون مجاز قوله تعالى كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ « إلّا هو » 52 ويكون التعبير القرآني فِي جَنْبِ اللَّهِ وفي « ذات اللّه » واحد 53 . ويكون